عماد الدين خليل
88
المستشرقون والسيرة النبوية
المستشرق ابن القرن العشرين يتشبّث بها ، ويعض عليها بالنواجذ معتقدا أنها مفاتيح الحل ومفردات المنهج العلمي السليم ؟ فكيف إذا أضيف إلى هذا كله نظرة اعتقادية مسبقة ترسم هياكلها على ضوء أيديولوجيتها الصارمة ، وتسعى لكي تجد في التاريخ السند والدليل ؟ ! بل إنها تحاول أن تعمل في وقائعه بمشرطها الذي لا يرحم من أجل أن تفسرها على الانسجام مع مقولاتها المسبقة ، والدخول بالإكراه من عنق الزجاجة الضيّق الملتوي ، كما يفعل النصارى المتعصّبون أو الماديون التاريخيون من المستشرقين ؟ ! بصدد الخطيئة المنهجيّة الأخيرة ، فإن ( مونتغمري وات ) يتجاوز - بحق - الوقوع في إسارها ، بل إنه ليعتمد - أحيانا - منهجا مغايرا تماما يبدأ من الواقعة التاريخية نفسها ، وينتهي بالنتائج والدلالات التي تقود إليها . . لذا فإنه كثيرا ما كان يعلن رفضه لمقولات التفسير المادي للتاريخ ، حيثما رأى الوقائع تتمرّد على هذه المقولات وتسلك مجاري أخرى في العمل والصيرورة . فإذا كان ( وات ) يرفض الاعتقادية الجامدة في تحليل التاريخ ، فإنه يقع متعمدا حينا ، وغير متعمد أحيانا ، في أسر القيود الآخرى التي تتحكّم في العقل الغربيّ عموما ، والتي ألمحنا إليها قبل قليل . وهو يحاول في مدخل بحثه أن يعلن تجاوزه لهذه الأزمة ، وأن يتّخذ موقفا حياديا أقرب إلى التجرّد والموضوعيّة فيما يتعلّق بالمسائل الفقهية التي أثيرت بين المسيحية والإسلام ، « فقد جهدت - يقول وات - في اتخاذ موقف محايد منها ، وهكذا بصدد معرفة ما إذا كان القرآن الكريم كلام اللّه أوليس كلامه ، امتنعت عن استعمال تعبير ؛ مثل : ( قال تعالى ) أو ( قال محمد ) في كل مرة استشهد فيها بالقرآن ، بل أقول بكل بساطة : ( يقول القرآن ) ، وليس